سيد محمد طنطاوي

231

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

يتناول الذكور والإناث للتنصيص على النوعين ، حتى يكون أغبط لهما ، ولدفع ما قد يتوهم من أن الخطاب للذكور وحدهم . ولذا قال صاحب الكشاف : فإن قلت « من » متناول في نفسه للذكر والأنثى فما معنى تبيينه بهما ؟ قل : هو مبهم صالح على الإطلاق للنوعين ، إلا أنه إذا ذكر كان الظاهر تناوله للذكور ، فقيل « من ذكر أو أنثى » على التبيين ليعم الوعد النوعين جميعا « 1 » . وقيد - سبحانه - العامل بكونه مؤمنا فقال : * ( وهُوَ مُؤْمِنٌ ) * لبيان أن العمل لا يكون مقبولا عند اللَّه - تعالى - إلا إذا كان مبنيا على العقيدة الصحيحة ، وكان صاحبه يدين بدين الإسلام ، وقد أوضح القرآن هذا المعنى في آيات كثيرة ، منها قوله - تعالى - : وقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناه هَباءً مَنْثُوراً « 2 » . والمراد بالحياة الطيبة في قوله - تعالى - : * ( فَلَنُحْيِيَنَّه حَياةً طَيِّبَةً ) * الحياة الدنيوية التي يحياها المؤمن إلى أن ينقضي أجله . قال ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية ما ملخصه : هذا وعد من اللَّه - تعالى - لمن عمل صالحا من ذكر أو أنثى ، بأن يحييه اللَّه حياة طيبة في الدنيا . . والحياة الطيبة تشمل وجوه الراحة من أي جهة كانت . وقد روى عن ابن عباس وجماعة أنهم فسروها بالرزق الحلال ، وعن علي بن أبي طالب أنه فسرها بالقناعة . والصحيح أن الحياة الطيبة تشمل هذا كله ، كما جاء في الحديث الذي رواه الإمام أحمد عن ابن عمر أن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم قال : « قد أفلح من أسلم ورزق كفافا وقنعه اللَّه بما آتاه « 3 » » . وقيل المراد بالحياة الطيبة هنا : الحياة الأخروية ، وقد صدر الشيخ الآلوسي تفسيره بهذا الرأي فقال ما ملخصه : قوله - تعالى - : * ( فَلَنُحْيِيَنَّه حَياةً طَيِّبَةً ) * والمراد بالحياة الطيبة التي تكون في الجنة ، إذ هناك حياة بلا موت ، وغنى بلا فقر ، وصحة بلا سقم ، وسعادة بلا شقاوة . . فعن الحسن : لا تطيب الحياة لأحد إلا في الجنة . وقال شريك : هي حياة تكون في البرزخ . . وقال غير واحد هي في الدنيا « 4 » .

--> ( 1 ) تفسير الكشاف ج 2 ص 427 . ( 2 ) سورة الفرقان الآية 23 . ( 3 ) تفسير ابن كثير ج 2 ص 585 . ( 4 ) تفسير الآلوسي ج 14 ص 227 .